lundi 23 mars 2020

الليل يزحف ثقيلا. وسيجارتي لا تزال تحترق بين أصابعي، رقية تسألني :"هل سمعت آخر الأخبار؟" لم ألتفت إليها. ظلت تتحدث وتثرثر قربي وأنا اتابع حديثها اللذيذ في شبه سهو. وفجأة استوقفتني ملاحظة هامة لقد أثارت مشكلة كنت أفكر فيها منذ زمن ليس بالبعيد أخبرتني أن قريبها في الحجر الصحي كانت تقولها وهي لا تعي أبعادها ولكن كيف تراني أفسر لها المسألة وهي تذكرها بشكل عابر وتمضي لموضوع آخر.
ظلت كلماتها تخدرني. قريبنا هذا أمضى حياته في الغربة أربعون سنة من الانتظار المر وزوجته وأبناؤه لم ينعموا به إلا شهرا من كل سنة ظللت أهاتف زوجة عمي كل حين أسألها عن زوجها الغريب المريض. وتجيبني في بساطة " إنه في بلد أروبي وعلومه متطورة وسوف يتعافى " كانت تحادثني و بنات أفكاري تضج على شفتيّ وأنا اخاف ان أخاطبها قائلا"
نحن لا نختار اقدارنا هي التي تختارنا، دون مبرر تنتقينا وفق ترتيب تختاره هي نتازليا أو تصاعديا لا تفاضل بيننا وهذه المرة بالذات كان العدل الإلهي لم يفرق بين البشر وجاء الموت مكتسحا كل الألوان والاعراق والاديان والاجناس"
لم أكن أمتلك من الجرأة لأعلمها أن زوجها في مدينة موبوءة، وذلك يعني أنها بؤرة لتفشي الوباء وقد لا تراه بعد اليوم.
لم تكن الأحداث لتنقطع، على العكس من ذلك فقد تسارعت. وجاء الخبر اليقين وأُعلمنا أن عمي في لحظاته الأخيرة. و الأطباء هناك على قدر كبير من الصرامة. لم يسمحوا له بأي شكل من أشكال التواصل ولم نظفر بغير بلاغ عبر الشاشة يعلن خبر وفاته ثم لاحقا وردت علينا دورية أمنية من مخفر المدينة تبلغنا رسميا بالوفاة. حينها فقط أدركت زوجة عمي فداحة الأمر.
لم تكن تصدق. كان حزنها باذخا. الدهشة ووقع الصدمة. الغيبوبة والتعويل. النحيب والشكوى والهلع كلها تواطأت عليها لحظة سماع الخبر. و لم يسمح لنا بالمشاركة في الجنازة الوهمية. منعنا من موا ساتها. كنا غرباء ونحن في ذات المدينة، بل في ذات الحي بل في ذات النهج. وتذكرت كيف يموت الإنسان ليكون نهبة التراب. تبتلعه الأرض دون رحمة دون شفقة ويُواري ولا من مودع. تخيلت فظاعة المشهد؛ والجرافة تردم جثمانه. تطمره في عمق بخمسة أمتار تقريبا. لا نواح ولا أكاليل ورود، لا تلاوة قرآن ولا ابتهالات ودعوات. ٠٠٠
تمثلت العملية برمتها وراودني القيء. كدت أقيء أمعائي. واعتصرني وجع أسن. وشعرت بدوار. وجع في الذاكرة يغزوني. أفكار قاتمة تعتبريني. وإحباط يغلف روحي.
أنهكتني الصورة ولم يكن لي من بد إلا أن اهاتف زوجة عمي لأخفف عليها. وأجابتني أناتها وصرخاتها. كانت مهزومة ، كسيرة الجناح وعلا صوتها وهي ترثيه نائحة
" شقو على القلب شقو
وما تحضروشي عدواني
كان الطبيب الي يجرح حليلي
والا الرفيق إلي جاني
يا خال ماني بنت أختك خوِيييلي
لا بيت تهوى عليا
تعيا من الرهواج وتعيا
تجيبك عليا الثنيا"
نحيبك والقلب الجريح يا عمة! نحيبك والوجع العطن يا عمة! أوْاه يا قلبي المترع بالأسي! أوّاه يا قلبي المثخون بالجرح! آااااه يا زمن الهزيمة! كيف ؟ كيف يرحل الأحبة ولا نشيّعهم إلى مثواهم الأخير؟ كيف نظل نُطمر كما الأشياء المهمة دون مشاعر! دون أحبة دون رثاء! د ن دموع!
وقفلت السماعة وأشرعت أبواب الحجيم في ليلى هذا القاتم
لم انم ليلتها فكرت في الف حيلة لأزور أزور عمتي التي هي في الأصل زوجة عمي وكبرنا ونحن نلقبها بالعمة.
لم يتسن ذلك وتسربلت الدنيا بأحزاني وانهار دموعي وأغرقت نفسي في سجائري.٠٠٠٠
الدنيا بوابة سعير. الحصار يضيق وأنا أمام الشاشة أتابع الأخبار والمذيعة في كل قناة تتصدر منبرها وتعلن في برود قائلة " ضحايا وباد الكورونا بالصين ناهز ثلاثة آلاف؛ أما لإيطاليا فقد اقترب من الخمسة آلاف وبأيران وصل إلى٠٠٠٠٠٠ وأما بكذا٠٠٠ وبكذا ٠٠" وأشعر بهزيمة حقيقة.
ألا بئس حروبكم الجرثومية. تنهض دول على عاتق دول أخرى ويثور اقتصاد على عاتق امم أخرى! آه يا زمن أصبح الإنسان حطب الحروب! أضحى هشيمها. بات وقودها وتعتريني رعشة ووجع وأترك الدمع يهمي، يسح وتتناثر الجمرات من الحدق. وأترك نفسي على سجيتها نحت نواحا لا نظير له. وحدي في غرفتي وصورة عمي تلاحقني رأيته ينازع حشرجات الموت تضيق عليه الخناق. أناته تتلاحق تعلو يرغو، يثغو تخفت أنفاسه حينا و تثور حينا آخر. يتصفده العر ق. ينزف من أنفه وفمه دم . تهن قواه. تتيبّس شفتاه تجحظ عيناه. يصمت لحظة أخاله فارق. يهتزمن جديد. ينتفض. يعود إلى نوبته الأولى .٠٠٠
وانتبهت مذعورا الصورة فظيعة حد الغثيان. موجعة. حطمت ثوابتي دمرت كل قناعاتي الأولى! فما الجدوى من الأهل والأحبة ما دمنا نفارق أغراب؟ لا أهل ولا و طن ولا دار ولا حتى قبرا يحتوينا ؟
ألا بئس الحياة هي تشريدنا على عتباتها ونمضي ونحن صفر من كل شيء . لا نحمل ذاكرتنا الأولى معنا. ولا نحمل صور الاهل عند آخر لقاء. ولا نحمل صورة بيتنا الدافي بل نغادر ونحن جثث تلفظ أنفاسها الأخيرة قرب جثث فارقت منذ حين. نموت ميتات لا ميتة واحدة ٠٠٠٠/------يتبع
زمن بديل
أقصوصة روضة القاسمي الطاهري تونس
في 23 مارس2020

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire